الجمعية الثقافية الرومية تستنكر الجريمة الشنيعة في بلدة حمود الأردنية وتدعو لمزيدٍ من الوعي والحكمة والرؤى

بكثيرٍ من اللوعة والحزن، تلقّت الجمعية الثقافية الرومية نبأ الجريمةِ المروِّعة التي ألمَّت بأهل كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حْمود، من منطقة الكرك الأردنية، والتي راح ضحيتَها الى الآن ثمانيةُ شهداء وعشراتُ الجرحى الذين نقلوا الى المستشفيات لمتابعة العلاج علّهم ينالون الشفاء بإذن الله. إن الجمعية، شأنُها في ذلك شأن جميع المسيحيين في بلاد المشرق والطائفة الروميّة بالتحديد، تستنكرُ أشدَّ الإستنكار هذه الجريمة المروعة، راجيةً أنْ يتغمدَّ الله برحمتِه أرواحَ الشهداء الأبرار وأن ينعمَ على المصابين الجرحى بالشفاء العاجل. إننا، كمسيحيين مؤمنين، نرى في هؤلاء الشهداء أبراراً يعاينون مجدَ الله ونعتقدُ بأنَّ آلامَ الجرحى تجربةٌ تجعلُهم أقربَ الى الذات الإلهية.

إنَّ أولَ واجبٍ لنا هو الصلاة لراحة نفوس موتانا ولبلسمةِ جراح مصابينا، وهذا ما نفعلُه مردّدين الرجاءَ بالقيامة والتضامنَ مع المعذبين والدعاءَ ليغفر الربُّ الإله خطايا الذين إرتكبوا هذه المجزرة راجين لهم التوبة ليكون الغفرانُ من نصيبِهم.

لكنَّ واجبَنا الثاني هو إستذكارُ هذا الحدثِ الأليم في سياقِ أحداثٍ كثيرة مشابهةٍ إرتكبها عبر العصور أشرارٌ كالذين هاجموا البارحة كنيسة القديس جاورجيوس في حْمود، وإبتغوا منها محوَ المسيحية من الوجود. في زمنٍ ليس ببعيد، هاجمَ الأشرارُ كنيسة النبي إلياس في ضواحي دمشق وقتلوا عشرات المسيحيين، وما زال أمثالُهم يعيثون فساداً في عدة مدنٍ وبلداتٍ سورية يتعرضُ فيها المسيحيون لضيقاتٍ وملاحقاتٍ معظمُها مُجهَّلُ المصدر. ولقد أدَّت هذه المضايقات الى هجرةٍ واسعة لمئات الآلاف يقصدون ملاذاتٍ أكثر أماناً.

وفي العقدين الأخيرين، تعرّض المسيحيون لمجازرَ وإضطهاداتٍ عديدةٍ في مختلف دول المشرق، أسفرَت عن إنخفاضٍ حادٍ في أعدادِهم، فتقلصت نسبُهم وتراجعَ حضورهم في العراق وفلسطين ومصر ولبنان. أما القرون السابقة فشهدًت إنحساراً مسيحياً كاملاً أو شبهَ كاملٍ في الأناضول وشمال أفريقيا حينما إرتُكبت مجازرُ كانت بمثابةِ إباداتٍ جماعية.

وفي هذا اليوم الذي نبكي فيه شهداءَ الكرك، نستذكرُ القديسَ الحارثَ الذي نعيِّدُ له اليوم والذي إستشهد مع المئات من مواطنيه في مدينة نجران في شبه الجزيرة العربية، ونتساءلَ عن حقٍّ أين هم مسيحيو تلك البلاد، أحفادُ الذين قضوا دفاعاً عن إيمانهم ومعتقدِهم. ونستذكرُ قديسي كباذوكيا العظام باسيليوس الكبير وغريغوريوس النزينزي وغريغوريوس اللاهوتي وقديسي الرها وما بين النهرين وغلاطيا وفريجيا وآسيا الصغرى والبنطس وغيرها من البلدان ونتساءل ألم يبقَ لهؤلاء أحفادٌ يرمِّمون كنائسَهم ويركعون فوق قبورِهم.

إن أعمال الشرّ هذه قضَت على الوجود المسيحي في العديد من بلدان الشرق، وهي في طريقِها لإستكمال مهماتِها في القليل من الأماكن التي ما زال المسيحيون متواجدين فيها. ومن واجبِنا أن لا نتحوَّلَ شهوداً لمجازر نتناساها بعد حينٍ فتصبحَ ذكرياتُ الشهداء أعياداً سنويةً لا تترافقُ مع أعمالٍ وخطواتٍ تحولُ دون المزيدِ من الضحايا.

نحن مدعوون للتفكير ملياً بأسباب ِهذه المآسي ومدعوون لمعالجةِ الوهن الذي أصابنا وما فتئَ يعرِّضُنا لهذه المجازر وللإضطهادات وللتهجير وللإغتراب. واجبُنا أن تترافقَ الصلواتُ مع وعيٍ عميقٍ لتاريخنا وتراثنا. واجبُنا أن نطوِّرَ حسَّ الإنتماء وأن تدركَ أجيالُنا الحاضرة والقادمة بأنها المكوِّنُ الأصيل لبلاد المشرق وبأنها ليست دخيلةً على هذه الأوطان. واجبُنا أن نرصَّ الصفوف وأن نتوقفَ عن محاباة الوجوه. واجبُنا أن نشابكَ الأيادي ونفرضَ الحقَّ بالوجود. واجبُنا أن نطرقَ أبواب العالم المسيحي مذكِّرين بأن المسيحية إنطلقت من مشرقنا ونقلت البشارةَ الى العالم بأسره. واجبُنا أن لا نخجلَ من طلب الدعمِ والحمايةِ من إخوةٍ لنا في الإيمان والحضارة في زمنٍ أضحى فيه وجودُنا مهدَّداً بمخاطرَ داهمة. رسالتُنا الى جميع المسيحيين في بلادنا وفي العالم هي أن مهدَ المسيحية يكادُ أن يصبحَ أثراً دارساً أو موقعاً فارغاً من مسيحييه. إن لم تجتمعْ قوانا بعقلانيةٍ ووعيٍ وجرأةٍ وتخطيط لن نبقى في مشرقِنا الحبيب الذي سيؤول فارغاً كالجزيرة العربية والأناضول وأفريقيا الشمالية. حذارِ من التراخي والنسيان والتملّق !!!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Skip to toolbar